ابن قتيبة الدينوري
مقدمة 6
الانواء في مواسم العرب
يجدر بنا أن نبين تأثيرها في ( القسم الثاني ) من الكتب ، أي المؤلفات التي تقع بين العلم المحض والأدب المحض ، وتأخذ من هذا ومن ذاك لتكوّن فنّا متوسطا يتّصل بالعلم بقدر ما يتصل بالأدب . وإنه ليجب علينا ، ليفى الموضوع حقّه ، ألَّا ننسى أن الفلاسفة والمتكلمين التفتوا إلى مذاهب الفلكيين لما وجدوا فيها من آراء تبعثهم على التأمل في خلق العالم ، فأدخلوا المسائل الفلكية في مناقشاتهم ومجادلاتهم الكلامية . وزيادة على ذلك ، أثرت المذاهب الفلكية في فن آخر - نعنى الجغرافيا - تأثيرا أقوى ؛ فان جميع أصحاب المؤلفات الجغرافية ، أو على الأقل معظمهم أبوا إلا أن يفتحوا بابا خاصا بصورة العالم حسب التصورات المعاصرة ، فتوغلوا في علم التقويم والأطوال والأعراض ، معتمدين على نظريات الفلكيين ، آخذين بأقوال سلفهم في هذا الشأن ، لأنهم قلَّما نظروا بأنفسهم في علم لا يخلو من صعوبة على عامة الأدباء . فتجد الفصل المذكور حتى في الكتب الرامية إلى وصف البلدان والممالك والمسالك ، فضلا عن المؤلفات التي قد اكتسبت أصحابها من علم الهيئة نصيبا لا بأس به ، كالبلخى والبيرونى . ثم تلفى أيضا مادة علمية في الموسوعات المحتوية على جميع المعارف والعلوم الواجب اكتسابها على من تقدّم إلى خدمة السلطان مثلا مسالك الأبصار لابن فضل اللَّه العمرى - كما تجدها في تآليف رجال منسوبين إلى الصوفية يجتهدون في وصف ما خلقه اللَّه ويعتبرون العالم بأسره مظهرا من مظاهر فضل اللَّه على عباده ونعمته عليهم . فأحسن ممثّل لهذا الفن هو القزويني ( م 682 ) الذي يقول في مقدمة كتابه « عجائب البلدان » ( ص 5 - 6 )